عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 05-05-2020, 01:33 AM
ميراد ميراد غير متواجد حالياً
عضو
 Saudi Arabia
 Male
 
تاريخ التسجيل: 19-07-2017
الدولة: ارض الله
المشاركات: 554
معدل تقييم المستوى: 8
ميراد is on a distinguished road
افتراضي تاريخ الخنزير وانتشاره في وادي النيل



الكاتب: أ. د. علي التجاني الماحي
قسم الآثار-كلية الآداب والعلوم الاجتماعية/جامعة السلطان قابوس

" بالفعل التاريخ أكثر قليلا من كونه سجل جرائم وحماقات وإخفاقات بنو الإنسان"Gibbon (1776 - ch3)

المقدمة:
يسعى هذا البحث للقيام بقراءة موضوعية لتاريخ الخنزير في وادي النيل، مستعيناً بالأدلة الآثارية التي تم الكشف عنها، والإشارات التاريخية لهذا الحيوان، بدءا من العصور الحجرية، وانتهاء بالقرن السادس عشر الميلادي. وبالنظر إلى الأدلة الآثارية المتاحة والإشارات التاريخية المتوفرة، يتبين أن إعادة تركيب تاريخ هذا الحيوان ليس بالأمر اليسير. لذا، يتطلب الأمر طرح استنتاجات وتفسيرات، للربط بها بين الأدلة المتوفرة والفجوات التي تسبب فيها غياب الدليل، ولإكمال الصورة الكاملة لتاريخ الخنزير والظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي أحاطت به، وخطت تاريخه في هذا الجزء من القارة الإفريقية.

وسيتضح من البحث في هذا الموضوع، بأن تاريخ هذا الحيوان في القارة الإفريقية بأسرها، يحكمه وادي النيل جغرافياً وتاريخياً. فقد لعب وادي النيل دوراً مؤثراً في انتشار هذا الحيوان في القارة الإفريقية. فكما درجت مصر في أن تكون أحدى بوابات القارة الإفريقية المباشرة مع أسيا، يرجح أن هذا الحيوان قد عبر من خلالها في العصر الحجري الحديث إلى القارة الإفريقية. وبنفس القدر كان السودان في تاريخ هذا الحيوان ممرا جغرافيا وديموغرافياً، وأحداثاً وتاريخاً عمل على وصوله إلى مناطق جغرافيه مترامية فيه. ومن جانب آخر، ينظر البحث في دور المسيحية والإسلام وأثر الظروف البيئية والاقتصادية في بلاد النوبة، وفي أسباب إعادة توزيعه وانتشاره الجغرافي في السودان.

وهذا المسعى يبرر الحاجة لفهم الملابسات والظروف التي دفعت وساهمت في انتشار هذا الحيوان جغرافياً في وادي النيل. فالخنزير ما فتىء حيواناً متأرجحاً بين القبول والرفض في العديد من المجتمعات منذ القدم، الأمر الذي يحض هذا البحث على التحقيق في كيف أن هذا التأرجح، تسبب في رسم تاريخ ومواضع استيطان هذا الحيوان المستأنس في نطاق وادي النيل والقارة الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى. ولكن قبل الولوج في التفاصيل، علينا أن ننظر في استئناس الخنزير في العصر الحجري وأنواعه وجغرافية مواضع انتشارها الطبيعي في القارة الإفريقية.

شهد العصر الحجري الحديث مع بدايات العصر الجيولوجي "الهوليسين" في الألف العاشر قبل الميلاد نقلة تقنية واقتصادية واجتماعية كبيرة، عمد الإنسان فيها في الانتقال من الجمع والصيد إلى الزراعة وتربية الحيوان. والفضل في هذا التحول يعود إلى تطور بيئي في علاقة الإنسان وتفاعله مع الكائنات الحية التي تعيش مع الإنسان في نطاق نظام البيئة الواحد. فقد تطور التفاعل البيئي بفضل استئناس الإنسان لبعض النباتات والحيوانات محدثاً تفاعلا جديداً في النظام البيئي، يسيطر فيه الإنسان على الحيوان والنبات بفضل الاختيار الصناعي، وذلك بتحكمه في تناسل الحيوان وتلقيح النباتات ونقلهما من بيئية إلى أخرى، متسبباً في ظهور سلالات جديدة على مسرح عالم الحيوان والنبات، لم تعهدها النظم البيئية من قبل.

يعد الخنزير من زمرة الحيوانات التي طور الإنسان تفاعله البيئي معها في العصر الحجري الحديث. فقد أستأنس الإنسان الخنزير البري في هضبة الأناضول بتركيا قبل حوالي سبعة الألف عام قبل الميلاد. ثم عمد إلى نقله إلى أجزاء مختلفة من أوربا والشرق الأوسط وأفريقيا في أزمان متفاوتة. هذا، وقد استغل الخنزير في اقتصاد وطقوس وقرابين الكثير من المجتمعات، غير أن أوضاعه أصبحت تتباين وتتفاوت في مختلف الثقافات والمجتمعات التي استثمر فيها مع مرور الزمان. والأداة التي عملت على صنع هذا الوضع وتشكيله، هي براعة الإنسان وحنكته في صنع وصياغة ثقافة لكل شيء من حوله. فقد صنع الإنسان ثقافة لكل ما يتعامل ويتفاعل معه، أما ليجعله أكثر قبولا، أو انعزالا، نفعاً كان أو ضرراً، تقييماً وحرصاً على مصالح مجتمعه، ورؤيته ثقافة وفناً، واقتصاداً وعقيدة. فلا غرابة، فقد صنع الإنسان ثقافة للزواج والولادة والموت، وللغرس والقلع، والألوان والحيوان والنبات، الخ.

الخنزير البري: Sus scrofa The wild boar
يوجد في أكثر من النطاق البيئي– على امتداد القارات– مجموعة من أنوع الحيوانات يطلق عليها اسم "خنزير" وكثيراً ما يحدث خلط فيها، الأمر الذي يتطلب التوقف قليلاً على أنواعها وماهية هذا الحيوانات، وذلك للتوضيح والبيان.
يوجد في القارة الإفريقية أربعة أنواع من الخنازير تتدرج في توزيعها الجغرافي بين الغابات الاستوائية، والسافنا والغنية والمتوسطة. ولم يتم استئناس أي من هذه الحيوانات. وهذه الأنواع مختلفة عن بعضها اختلافاً كبيراً وهي تشمل على الآتي:
  • خنزير الغابة البري The bush pig Potamachoerus procus
  • خنزير الغابة العملاق Hylochoerus meinertzhageni The giant forest pig
  • الخنزير الأفريقي البري (الشكل 1) hog wart The Phacochoerus aethiopicus
  • الخنزير البري The Wild boar Sus scrofa
  • خنزير سنار البري pig Sennar The Sus scrofa sennaarrensis?
وما يهمنا من هذه الأنواع المختلفة، هو الخنزير البري The wild Sus scrofa boar، ثم خنزير سنار البري The Sennar pig Sus scrofa sennaarrensis? فالنوع الأول Sus scrofa ينحدر منه الخنزير المستأنس المعروف باسم Sus domesticus (الشكل 2)، وهو يأتي في صلب موضوع هذا البحث واهتمامه. أما النوع الثاني المعروف بخنزير سنار، Sus scrofa sennaarrensis?، فقد دار في شأنه نقاش طويل، ولم يوضح أصل هذا الحيوان، إلا أنه تم توضيح أصله وتفسير وضعه في منطقة النيل الأزرق في السودان (cf. EIMahi 1991).
يعيش الخنزير البري Sus scrofa في نطاق بيئي من الغابات والأحراش في كل من أوربا وآسيا. كما يوجد أيضاً في حيز جغرافي ضيق من المغرب العربي في شمال غرب أفريقيا. وتجدر الإشارة إلى أن جنس ونوع الخنزير Sus scrofa له سبعة وعشرون من "تحت النوع" أي Sub-Species، تنتشر في نظم بيئية وجغرافية مختلفة من العالم (cf. Clutton-Brock 1981: 71)، هذا، ويمكن وصف هذا الحيوان البري بأنه ذو خطم طويل وفنطيسة متحركة. وله في قدمه أربع أصابع، اثنان لهما وظائف، واثنان بلا وظائف, ويحمل في فكيه العلوي والسفلي أربعة وأربعين سنا. أما معدته فتتكون من جزئيين، أحدهما بسيط والأخر اجتراري. والبيئة المفضلة للخنزير البري هي الغابات والوديان والأحراش وأطراف المستنقعات. ومعروف عن هذا الحيوان، بأنه يأكل كل شيء، ولذا يوصف بأنه حيوان مقتات omnivore. فقد عرف عنه بأنه يتغذى على جذور النباتات والفطريات وثمار البلوط والقسطل أو الكستناء وحبوب النباتات البرية، ويرقات الحشرات والديدان وبيض الطيور وفراخها والضفادع والجرذان والزواحف بأنواعها والجيف Epstein and (6-Bichard) 1984:145.

والخنزير البري كثير التمرغ في الوحل ولأوقات طويلة طلباً لترطيب وتبريد جسده الذي يفتقد الغدد العرقية التي تقوم بهذه الوظيفة. ويعيش في مجموعات صغيرة، ويتحرك ليلا ونهاراً بحثاً عن الطعام. أما أحجام هذا الحيوان فمتفاوته. يزن الذكر البالغ ما بين 75 إلى 200 كيلو جرام. في حين أن الأنثى تزن ما بين 35 إلى 150 كيلو جرام. ويصل ارتفاعه من الكتف إلى حوالي 100 سنتيمتر، ولونه رمادي فضي داكن، وعلى صغاره خطوط أفقية علي أجسامها، وتمتد فترة الحمل عند الخنزير البري إلى ما بين 112- 120 يوماً، وتضع الأنثى ما بين 4 إلى 6 خنانيص. ويمتد عمر الخنزير البري إلى 15 أو 20 عاماً وفي بعض الأحيان إلى 25 عاماً Epstein and Bichard ibid.)).

يتميز الخنزير البري Sus scrofa بعدد من المميزات (Clutton-Brock 4- 1981:73) يمكن حصرها في الآتي:
أولاً: يشابه الخنزير البري في سلوكه الحيوانات من أكلة اللحوم Carnivorous كالذئاب والنمور وغيرها، وذلك في تهيئتها مكاناً تضع فيه صغارها، وهذه الصفة لا نجدها في ذوات الأصابع المزدوجة كالأبقار والأغنام والضأن. كذلك يضع الخنزير البري صغاره في هذا المكان حيث ترقد فيه الأنثى علي جانبها أثناء المخاض، وأثناء رضاعة صغارها، بينما درجت ذوات الحوافر علي وضع مولودها وهي واقفة.

ثانياً: يشابه الخنزير البري الكائنات اللحمية أي أكلة اللحوم في أن صغارها تكون ضعيفة البدن ولا تستطيع الحركة عند ولادتها، كما تفعل صغار الحيوانات ذات الأصابع المزدوجة. ويختلف الخنزير البري عن بقية الكائنات اللحمية في أنه لا يلعق صغاره.

ثالثاً: يتميز الخنزير البري بنهم شديد، وبما أنه لا يجتر ما يأكله، فإنه يأكل لأوقات طويلة ومتواصلة. يخلد بعدها للنوم والأوقات طويلة متصلة.

رابعاً: يشابه الخنزير البري في سلوكه الكائنات اللحمية في حاجته للتلاصق الجماعي عند النوم، فمجموعته تنام متلاصقة بعضها مع بعض. ويبدو أن هذا السلوك منشأة أن الأنثى تضع عدداً كبيراً من الصغار في مكان واحد وهو المهد الذي تقوم ببنائه خصيصا لهذا الغرض.
استئناس الحيوان

الاستئناس هو السيطرة الكاملة على الحيوان البري، ويقوم فيها المستأنس بدور الطبيعة، فيستعيض عن الاختيار الطبيعي natural selection، باختبار صناعي artificial selection يحقق له صفات وخصائص في الحيوان، لا تخدم متطلبات البقاء في البرية. أحدث الإنسان الاستئناس في الحيوان عبر تدرج في سيطرته النوعية على الحيوان. ففي البداية كان الترويض، الذي نجح فيه الإنسان وأخضع الحيوان لأمره من خلال السيطرة على غذائه وشرابه وأمنه. الأمر الذي جعل الحيوان المروض مستسلماً للإنسان. أحدث الترويض تغيراً في سلوك الحيوان، ولم يحدث تغير في جيناته. فمع مرور الوقت فقدت الحيوانات المروضة غريزة الفرار وغريزة "مسافة الفرار"، ليصبح أكثر ركوناً واطمئناناً للإنسان.

تطور هذا التفاعل البيئي بين الإنسان والحيوان عبر سيطرة الأول على سلوك الثاني، وتراكم خبرات الإنسان بسلوك الحيوانات وطبائعها وإمكانياتها، ثم أحدث هذا التواصل والتراكم نقلة نوعية في العلاقة البيئية حين بدأ الإنسان يتدخل، ويسيطر على تناسل الحيوان المروض، فيسمح لحيوانات بعينها بالتناسل، ويمنع أخرى. وهكذا كان الاختيار الصناعي.

سعي الإنسان من خلال سيطرته علي تناسل الحيوان المروض، لتحقيق وتركيز صفات وإمكانيات بعينها في صغار الحيوان المروض. فسعى عبر هذا نظام الاختيار الصناعي لتحقيق صفات نوعية تخدم اقتصاده مثل زيادة إنتاجية الألبان واللحم أو الصوف. كما عمل الإنسان وبفضل سيطرته على تزاوج الحيوان المروض في اختياره لصفات لا صلة لها بإمكانيات الحيوان وقدراته على البقاء، فحبذ ألواناً معينة، وزهد في أخرى، مما جعل ألوان الحيوانات مغايرة لألوان أسلافها في البرية، ومنافية لمتطلبات البقاء في البرية.

نتج من هذا النظام الصناعي الذي فرضه الإنسان علي حيوانات جيل بعد جيل، أن ولد حيوانات مستأنسة تختلف في سلوكها وشكلها ومظهرها عن أسلافها في البرية. وبذا؛ تسبب الإنسان في وجود كائنات جديدة على المسرح البيئي، فاقدة لغرائزها ومعتمدة على الإنسان اعتماداً كاملاً. وسخر الإنسان هذه الحيوانات لاقتصاده وفنونه واجتماعياته ومعتقداته الروحية.

الاستئناس تفاعل بيئي يعمل في اتجاهين، وليس فيه مؤثر ومتأثر، فبنفس القدر الذي تأثر فيه الحيوان من جراء الاستئناس، تأثر الإنسان ومجتمعه بهذا التفاعل البيئي. والتحول الذي أحدثه الاستئناس لم يكن مقصوراً على الحيوان، فقد أحدث الاستئناس – وعبر الزمن – تحولات عظيمة في المجتمعات الإنسانية تخط ما رسم له الإنسان من نتائج ومكاسب اقتصادية. فمع تطور العلاقة – مع مرور الوقت – وتطور الشراكة بين الإنسان والحيوان، حدثت تحولات اجتماعية وثقافية وروحية في المجتمع البشري بفضل استئناس الحيوان ودخوله في دائرة اقتصاد.
الخنزير المستأنس

Sus domesticus Erxleben 1777يبدو أن ما سهل عملية استئناس الخنزير أول الأمر، أن صغار الخنزير البري سهلة الانقياد للإنسان ولا يبدي أي نفور من العيش في صحبته (cf. Clutton-Brock. 1981: 73). ونتج من استئناس الخنزير البري Sus scrofa ظهور الخنزير المستأنس Sus domesticus (الشكل 2). هذا، وقد احتفظ هذا الحيوان المستأنس بجميع الصفات التي تم ذكرها آنفاً، وطور صفات جديدة نتيجة لاستئناسه. وترتب على دخول الخنزير البري في عملية الاستئناس، أن ظهرت صفات جديدة في الحيوانات التي نتجت من عملية الاستئناس أي الخنازير المستأنسة. فكان أول هذه الصفات الجديدة أن أصبحت أنثى الخنزير المستأنس تضع أعداداً أكبر من الصغار يتراوح أعدادها ما بين ثمانية إلى اثني عشر خنوصاً. كم نقص عدد أسنان الخنازير المستأنسة عن أسلافها في البرية. ويلاحظ في عموم التحولات التي حدثت في الحيوانات المستأنسة من جراء عملية الاستئناس، من حيث التغير في الشكل والسلوك وغيره، أن الخنزير المستأنس استطاع أن يحتفظ بالكثير من صفاته التي تميز بها في البرية. ويبدو أن هذا الأمر قد نتج من الأسلوب الذي أدار به الإنسان الخنزير المستأنس. فقد أتبع الإنسان منذ القدم أسلوبين في تربية الخنازير المستأنسة؛ الأسلوب الأول يقوم على ترك الخنازير للرعي طليقة في الغابة، ولكن تحت مراقبة محكمة. أما الأسلوب الثاني فيعمل على وضع الخنازير في حظائر مخصصة لهذا الغرض (Clutton-Brock 1981: 74). هذان الأسلوبان في تربية الخنازير ترتب عليهما ظهور خصائص مميزة في الحيوان، مثل: لين أو قوة الحوافر وزيادة أوزان الحيوانات وقوة أو لين عظامها، الخ. وإضافة إلى ذلك فقد نتج من عملية الخصي التي تمارس على جيل تلو جيل من هذه الحيوانات المستأنسة، أثر واضح في تسمينها وزيادة أوزانها بشكل ملفت. وبالرغم من الاعتقاد بأن عملية خصي الحيوان ممارسة قديمة، إلا أن تاريخها الأول وبداية ممارستها في الاقتصاد الحيواني، تظل غير معروفة.

أحرز الخنزير المستأنس قيمة اقتصادية في المجتمعات القديمة التي نجحت في استئناسه، فقد تميزت مساهمته في الاقتصاد الحيواني، وذلك لكونه أكثر الحيوانات إنتاجاً للحم الغني بالبروتين. وإذا ما قورن الخنزير بحيوانات أخرى في الاقتصاد الحيواني، فإنه حيوان ولود، وينجب الكثير من الصغار في فترة زمنية قصيرة. كما أن صغار الخنازير سريعة النمو، الأمر الذي يجعله مربحاً اقتصادياً. إلا أن هذا التميز الاقتصادي والإنتاجية العالية ينقصها أن الخنزير حيوان لا يدر لبناً، أو يعطي صوفاً، أو يحرث أرضاً. وعليه انحصرت فوائده في كونه منتجا للحم والشحم بكميات تفوق الحيوانات الأخرى. ولا شك في أن هذه الصفات، ساهمت في سرعة انتشاره جغرافياً وفي مناطق مختلفة من العالم.

الأدلة الأثرية
تزامن التطور التقني والفني في العصر الحجري الحديث مع تطور جديد في العلاقة البيئية الإيكولوجية بين الإنسان والحيوان والنبات. ففي حوالي عشرة آلاف عام قبل الميلاد مع نهاية العصر الجليدي الأخير، وبداية عصر الهوليسين الجيولوجي تنامت الأدلة الأثرية لاستئناس الحيوان في عدد من المواقع الأثرية في أسيا وأوروبا وأفريقيا. وبهذا يكون هذا التزامن مرافقاً لتغيرات بيئية بعينها، وربما مصاحباً لتغيرات اجتماعية وديموغرافية. ومما لاشك فيه أن هذا التحول قد تم بصورة تدريجية عبر فترة زمنية طويلة خاصة، وجاء نتاجا لتراكم خبرة الإنسان ومعرفته بالحيوانات النباتات عبر العصر الحجري القديم والوسيط والحديث، ويبدو أن تجربة الإنسان مع الحيوان قد اتسعت وتنامت بشكل كبير. ثم أخذت في التدرج، حتى أصبحت معرفة الإنسان بإمكانيات الحيوانات دقيقة، خاصة تلك الحيوانات التي كانت لها استجابة وتوافق واستعداد للاستئناس. ومن هنا كانت بداية عهد جديد لعلاقة جديدة ألقت بتبعاتها على الحيوانات المستأنسة والإنسان المستأنس وببيئتهما على امتداد المستقبل.

تؤشر أقدم الأدلة الأثرية الحالية إلى أن الخنزير البري Sus scrofa قد تم استئناسه في منطقة كاينو بتركيا في حوالي 7000 قبل الميلاد. (cf. Leonard 1973: 77) كما عثر أيضا على أدلة أثرية للخنزير المستأنس في طبقات "ما قبل الفخار" من العصر الحجري الحديث بموقع أريحا بفلسطين يعود تاريخها إلى حوالي 7000 قبل الميلاد (cf. Clutton-Brock 1981: 71) والأدلة الأثرية للخنزير المستأنس في إفريقيا ووادي النيل تحتاج إلى قراءة متأنية، لفهم طبيعتها وموقعها في التسلسل الزمني الذي يسعى علم الآثار إلى تثبيت وتسكين الأدلة الأثرية فيه، حتى تبرز قيمتها سعياً منه لفهم وتوثيق التطور الذي طرأ على المجتمعات الإنسانية عبر الزمان.


يوجد الخنزير البري Sus Scrofa في منطقة جغرافية ضيقة بالمغرب العربي في القارة الإفريقية. وتعد هذه المنطقة بعضاً من مناطق الانتشار البيئي التي يعيش فيها الخنزير البري Sus scrofa. وبالرغم من تواجده في تلك المنطقة، إلا أن أقدم الأدلة الأثرية للخنزير المستأنس في القارة الإفريقية، لم تأت من هذه المنطقة، الأمر الذي يدل على أن استئناسه تم خارج حدود القارة، وغياب الدليل الأثري عن موضع انتشار الحيوان يعد مؤشراً على أن هذا الحيوان قد تم استئناسه خارج الحدود الجغرافية للموضع الذي عثر فيه على الدليل، مما يرجح بوضوح أن الخنزير قد تم استئناسه خارج إفريقيا، ثم دخل القارة بوصفه حيواناً مستأنساً.
عثر على أقدم دليل أثري للخنزير المستأنس في وادي النيل في مصر. ويؤرخ لهذا الدليل الذي تم الكشف عنه في الفيوم بمصر بحوالي 4000 قبل الميلاد، كما عثر أيضا دليل مماثل في مخلفات حضارة الجرزيين، وذلك في 3600 قبل الميلاد (Caton- Thomspon and Gardener 1935). بعد ذلك توافرت الأدلة الأثرية بفضل ما كشفت عنه الحفريات الأثرية من وجود للخنزير المستأنس في مصر السفلى والوسطى والعليا منذ الآلف الرابعة قبل الميلاد. والأدلة عبارة عن بقايا عظام، أكد الفحص على أنها لحيوان مستأنس. كما كشفت الحفريات الأثرية على تماثيل مختلفة الأحجام للخنزير في مصر العليا، يعود تاريخها إلى فترة ما قبل الأسر، وفترة الأسرة الأولى.


هذا، وقد تم الكشف عن بقايا عظام وتماثيل ورسومات للخنزير في عهد الأسر. ففي عهد المملكة الحديثة كانت الخنازير تربي على نطاق واسع، كما تؤكد الرسومات في مقبرة ريني Renni التي تحتوي على صور القطيع من الخنازير على خلفية زراعية. ومن ناحية أخرى تقول النصوص في المقبرة أن الميت ريني كان يملك مائة من الضأن وألف ومائتين من الماعز وألف وخمسمائة خنزيراً. ومن ناحية أخرى شملت نصوص بردية وصفات طبية يستعمل فيها دم الخنزير، وكبده، وبعض من أجزائه. وهناك إشارة أخرى توضح ضلوع هذا الحيوان في الاقتصاد، كما ورد عن الملك أمنحتوب الثالث Amenhotep III (1398- 1361 ق. م). فقد منح الملك أمنحتوب الثالث معبد بتاح Ptah في مدينة ممفيس ألف خنزير وألف خنوص. ومما يشير أيضاً إلى انتشار هذا الحيوان وحاجته الاقتصادية في مصر القديمة، وهذا يفيد بأنها كانت تربى بأعداد في أملاك معبد أبيدوس Abydos في عهد الملك سيتي الأول Seti (1302- 1290 ق م)، (341 -Epstein 1971: 340).


بعد تلك الفترة بدأ وضع الخنزير يشهد تغيراً ملحوظاً من الوضع المستحسن في الاقتصاد الزراعي والحيواني في مصر القديمة، إلى مكانة دنيا فيها تحقير وكراهية وبغض لهذا الحيوان. ومن المرجح أن السبب في هذا التحول يرجع إلى أن الخنزير قد ارتبط بعبادة الإله ست Set، وهو الإله المصري المجسد للشر. فقد تعاظم التحول الذي أصاب وضع هذا الحيوان في المجتمع المصري القديم آنذاك، نتيجة للصراع الذي حدث بين الإله ست، والإله حورس Horus (إله الخير)، انتهي بانتصار حورس، وتوحيد مصر تحت راية الخير الممثلة في عبادة هذا الإله (Epstein ibid.). ومن المثير، ما ورد في تفاصيل الصراع المستعر بين الآلهة. فقد عرف أن الإله ست قد تسبب في إصابة الإله حورس بالعمى المؤقت بواسطة الكسوف، ومن ثم مزق رأسه، ثم تحول الإله ست إلى خنزير أسود، وابتلع العين اليسرى للإله حورس (Budge 1911: 62). ونتج من هذا الصراع الشرس، ومن يمثله من صراع أبدي للخير والشر، وأن تغير وضع الخنزير. فقد بدأ يعرف الخنزير على أنه حيوان قذر وبغيض، إذا أخذ يظهر في نصوص الموتى كحيوان قذر وملعون ومكروه، وملوث لكل ما يتصل به (296-Budge 1911: 295). ومن ناحية أخرى، يخبرنا فلندرس (Flinders 187- 1924: 186) بأن قدماء المصريين في هذه الحقبة، كانوا يعدون الخنزير حيواناً غير طاهر ومن يلامسه عليه أن يغتسل في النهر ويتطهر. أما رعاة الخنازير في مصر القديمة، فلم يكن يسمح لهم بدخول المعابد، ولا أن يتزوجوا خارج مجموعاتهم، الأمر الذي أضعف مكانتهم الاجتماعية، وجعلهم منبوذين ومنعزلين في المجتمع. كما درجت الممارسة في عيد أوزوريس وحين يكتمل القمر، أن يذبح قدماء المصريين الخنزير على أبواب منازلهم. ثم يحرقون بعضاً من أجزائه كالأقدام، وهى لا تحتوي بطبيعة الأمر، على الكثير من اللحم. بعد ذلك يأكلون لحمه الذي ما كان يؤكل أو يلمس في الأيام الأخرى من العام. وفي حقيقة الأمر هذا العيد وطقوسه تشخيص للإله ست في جسد الخنزير الذي أصبح رمزاً له ويأكله المصريون في هذا العيد تقرباً ومناصرة للإله حورس.


كان هذا وضع الخنزير في مصر القديمة التي تعد البلد الإفريقي الأول الذي أدخل الخنزير في اقتصاده، وديانته، وما أعقب ذلك من بغض واحتقار لهذا الحيوان. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن الخنزير حتى ذلك الوقت المبكر من دخوله أرض مصر، كان يجد البغض والقبول في حضارات ومجتمعات أخرى. فعند قدماء الإغريق مثلاً، كان يمثل هذا الحيوان جانباً اقتصادياً، وله وضع في موائدهم. كما كان الإغريق يستخدمونه في عمليات الاغتسال والتطهر للرجال في البحر. ومثال آخر لمكانة الخنزير المغايرة عن وضعه في مصر، تتضح من ما قامت به إيليوسس Eleusis (350- 327 ق م)، من ضرب لقطع نقدية في بلاد الإغريق، بحيث سكت عليها رسماً للخنزير. هذا وكان الخنزير أرخص الحيوانات سعراً، ومكانة في الأسواق، فصار القربان المفضل الذي يقدم زلفى وتبركاً للآلهة (Harrison 1903: 152). ففي عهد الإمبراطورة إيليوسس، كان الخنزير واسع الانتشار والضلوع في الاقتصاد الزراعي والحيواني، كمصدر هام للحم والشحم. كما لا تلاحقه أي من إشارات الكراهية أو الاحتقار، بل كان ينظر إليه كحيوان عادي يسهم في الاقتصاد وله طلب في موائد الطعام.


وجاء دور الديانات السماوية في التسلسل الزمني تباعاً، لتلقي بظلالها على هذا الحيوان وما يمثله من مكانة في كل ديانة على حدة. فكان لكل دين سماوي نظرته الخاصة لهذا الحيوان، ومن ثم تعاليمه. فمثل ما حرمته الديانة اليهودية، أحلته المسيحية، ثم حرمه الإسلام.
الخنزير في وادي النيل

تمت الإشارة سلفاً، إلى أن الخنزير قد تم استئناسه خارج إفريقيا، ثم دخل القارة بعد أن أصبح مستأنسا، وأقدم الأدلة الأثرية للخنزير المستأنس في القارة الإفريقية، قد تم الكشف عنه في وادي النيل بمصر. ففي الفيوم بمصر، تم العثور على دليل أثري يعود تاريخه إلى4000 قبل الميلاد، وفي آثار حضارة الجرزيين، التي يؤرخ لها في 3600 قبل الميلاد (Caton- Thomspon and Gardener 1935). ومما لا شك فيه أن مصر كانت البوابة التي دخل منها هذا الحيوان القارة الإفريقية كحيوان مستأنس من القارة الأسيوية عبر برزخ السويس. وما يرجح ذلك الفهم هو أن الأدلة الحالية التي تم الكشف عنها في مصر تعد أقدم الأدلة الأثرية في إفريقيا. كما أن موقع مصر يعد من المواضع المتاخمة جغرافياً لمواضع وحركة انتشار الخنزير في منطقة الهلال الخصيب، الأمر الذي سهل حركة انتقاله في العصر الحجري.


ومن ناحية أخرى يمكن النظر إلى السودان، على أنه الممر الطبيعي لانتشار الخنزير وانتقاله من شمال وادي النيل إلى جنوبه، ثم انتشاره في بعض من أجزاء القارة الإفريقية. فالسودان كان ممراً لانتشار الخنزير من شمال القارة إلى أواسطها وجنوبها، يؤهله لهذا موقعه الجغرافي. فهذا الموقع الجغرافي يجعله في جنوب خط الصحراء الكبرى، فضلاً عن متاخمته لمنطقة استغل فيها الإنسان الخنزير المستأنس منذ العصر الحجري في الألف الرابع قبل الميلاد. كما يسهل أمر التواصل في هذا الموقع الجغرافي امتداد مجرى نهر النيل، مصدر للحياة والانتقال.


ومع هذا ظهرت عدة عوامل أعاقت توغل الخنزير جنوباً في وادي النيل وذلك قبل الإسلام وبعده. وهذا العوامل يمكن حصرها في عامل بيئي، وعامل ثقافي، وعامل ديني. وعلينا أن نستحضر بعض الحقائق لتعيننا في فهم موضوع انتشار الخنزير في وادي النيل. فكما ذكر سلفاً، فإن أقدم الأدلة للخنزير تعود للعصر الحجري في حوالي الألف الرابع قبل الميلاد. أما في السودان، فلم يعثر على أي أدلة أثرية لهذا الحيوان إبان العصر الحجري، أو في فترات لاحقة من قبل التاريخ. وفي العصر الحجري الحديث عثر على مجموعة من الحيوانات المستأنسة مثل الأبقار والضأن والماعز والكلب في كل من مصر والسودان (cf EIMahi 1988). هذا وقد دخل الحيوانات المستأنسة كالأبقار والماعز والضان والكلب إلى جنوب الوادي في السودان بواسطة الإنسان المتنقل في العصر الحجري الحديث، بعدما أتخذ من تربية الحيوان اقتصاداً ومعاشاً له. والسؤال هنا، لماذا لم يكن الخنزير المستأنس من جملة الحيوانات التي دخلت جنوب الوادي من شماله؟ والإجابة على هذا السؤال، ترجح أن هنالك عاملين حالاً دون انتشار هذا الحيوان جنوباً.


أولاً: إن الخنزير من الحيوانات التي يمكن أن تدرج في نظام رعوي متنقل، الأمر الذي حال دون اصطحابه جنوباً بواسطة مجموعات العصر الحجري الحديث الرعوية. وعليه فإن الظروف البيئية كانت سبباً رئيساً في عدم دخول الخنزير للسودان، ولبقية أجزاء القارة الإفريقية. ويبدو أن الجفاف الموسمي والمرعى المفتوح كالسافنا التي لا يتوفر فيها غذاء الخنزير، وقفت حائلاً دون تقدم الخنزير جنوباً. وهذا الوضع مطابق لكل المناطق الواقعة جنوب الصحراء الكبرى.


ثانياً: لا يستطيع الخنزير أن يواكب النمط الرعوي الذي اتبعه الإنسان في التنقل والترحال الموسمي وغير الموسمي بحثاً عن الماء والمرعى. فالخنزير لا يستطيع أن يتأقلم على هذه النظم الإدارية للحيوان cf.) Management systems of livestock ( Hunting Technical Service 1974. هذه النظم الإدارية التي كانت وما تزال متبعة في أفريقيا تجاوبا مع الظروف البيئية. فالخنزير يمكن أن تقوم بتربيته المجتمعات الزراعية المستقرة، أما الوضع الذي فيه ترحل متواصل وبحث عن الماء والمرعى، فلا يستطيع أن يعيش فيه.
ويبدو أن العامل البيئي قد حال دون انتشار الخنزير جنوباً على مدى المراحل الزمنية، حتى تلك التي تلت العصر الحجري. فلم يعثر له أيضاً على أثر في حضارة مروي بأواسط السودان (ElMahi 1996)، رغم أن لحضارة مروي اتصالات واسعة بجميع الحضارات الأخرى في أفريقيا وخارجها.


من الصعب التعرف على العامل الثقافي الذي أحال دون انتشار الخنزير جنوباً في وادي النيل خلال العصر الحجري. فكما تفيد التجارب في العمل الأثري، بأن العوامل الثقافية، قلما تترك أثراً في المواقع الأثرية، ضمن مخلفات الأنشطة البشرية. فإن السلوك البشرى لا يترك عادة دليلا مباشراً لتكتشفه عمليات التنقيب الأثرية. وبما أن السلوك البشري، لا يترك أحفوريات، فإنه من الصعوبة بمكان التعامل مع أي عامل ثقافي وتأثيره في تشخيص المواد الأثرية وتفسيرها. ويترتب على ذلك في فحص العامل الثقافي الذي نرجح مسؤوليته عن عدم انتشار الخنزير جنوباً في وادي النيل، ولهذا؛ فسوف ننظر في فترات تاريخية تلت العصر الحجري، علنا نجد مؤشراً لمثل هذا العامل الثقافي أو ما يؤكد غيابه.


من البديهي أن يتوقف قبول أي حيوان جديد في مجتمع ما على درجة الاستعداد الثقافي لدى هذا المجتمع. وبنفس القدر، يعتمد استيعاب المجتمع لهذا الحيوان الجديد على درجة الاستعداد الاقتصادي في هذا المجتمع للاستفادة منه. وانطلاقاً من هذا الفهم، نستحضر مجريات التاريخ في جنوب الوادي وفي عهد الممالك المسيحية النوبية. فقد سجل في تاريخ بلاد النوبة في الشمال من السودان، أول إشارة للخنزير في عام 1173م، وذلك إبان الحملة العسكرية التي أرسلها شمس الدولة الأيوبي (الأخ الأكبر لصلاح الدين الأيوبي). ترتب على ذلك أن هزمت النوبة، ودخول جيش شمس الدولة مدينة أبريم وهي من أهم مراكز المسيحية في بلاد النوبة. وقام جند شمس الدولة بقتل سبعمائة خنزير عثروا عليها في مدينة أبريم (Budge 1928: 105). ويذكر آدمز (Adams 1984: 502) عن هذه الفترة، بأن المزارعين النوبيين، كانوا يربون الأبقار والضأن في أعداد قليلة، بالإضافة إلى الخنازير التي كشفت الحفريات الأثرية كميات من عظامها لأول مرة في المواقع التابعة للقرون الوسطى في النوبة (خريطة 1). وهذه الإشارات سوف نعود إليها في وقت لاحق، بعد أن نقدم الرأي الذي توصل إليه هذا البحث في ظهور الخنزير على مسرح الأحداث في هذه الحقبة من التاريخ في بلاد النوبة. من المرجح أن يكون الخنزير قد دخل بلاد النوبة في جنوب وادي النيل، وأول مرة مع المبشرين الذين استقروا في المراكز التي قامت بها الكنائس. ولابد من أن هؤلاء المبشرين والرهبان، قد جلبوا معهم الخنزير من شمال الوادي وبصورة أو بأخرى، ثم قاموا بتربيته بالقرب من الكنائس، وكجزء من نشاطهم الذي يمدهم باللحم. وإذا كان هذا صحيحاً، فالأمر يعني أن أهل النوبة لم يمتلكوا الخنزير ولم يدخل اقتصادهم على الرغم من أنهم كانوا مسيحيين، ولا بد من أن الاستعداد الاقتصادي والثقافي عندهم كان ضعيفاً لاستيعاب هذا الحيوان في نظامهم المعيشي والإنتاجي. بل، ولا يستبعد أن يكون هنالك حاجز بينهم وبين هذا الحيوان الوافد الغريب عنهم وعن دائرة تجاربهم مع الحيوان وإنتاجه. فالخنزير قد ارتبط بالكنيسة، ولا أظنه وجد قبولاً عند المزارع النوبي الذي يعتمد في تربية حيواناته على المرعى المفتوح، أو ما تنتجه هوامش حقوله الزراعية. كما لا يعقل أن يغير النظام الإداري لتربية الحيوان، القائم والسائد في بلاده الملائم لظروفها الطبيعية منذ أمد بعيد، لأجل لحيوان غريب، لا ينسجم مع نمط النظام الرعوي المتبع. وفوق هذا وذاك، فالخنزير في مثل هذه الظروف حيوان عالي التكلفة، فهو لا يتغذى على الحشائش أو حتى أوراق الأشجار، بل على الموارد الطبيعية للغابات والمستنقعات، وفى حالة أنعدمها، فإنه في حاجة للحبوب مثل الذرة والشعير وغيرها من المحاصيل الزراعية. كما أن فائدته للمزارع النوبي، يمكن أن تنحصر فقط في إنتاجه للحم. فالخنزير – كما هو معروف – لا يحلب لبناً، أو يحرث أرضاً، أو يحمل متاعا، أو حتى يدير عجلة ساقية. إذن فالخنزير قد ارتبط بمجتمع الرهبان، والطبقة الحاكمة في النوبة، وليس بالمجتمع النوبي. كما أن عامل توزيعه وانتشاره في النوبة على طول النيل جنوباً هو وجود كنائس ومراكز مسيحية.


أما الإشارة الأولى التي وردت عن قتل سبعمائة خنزيراً في مدينة أبريم في عام 1173م، فإنها ترجح الرأي الذي نطرحه تفسيراً لانحصار الخنزير في مجتمع الكنيسة في بلاد النوبة. فالخنازير التي قتلت في مدينة أبريم، تعد قليلة في عددها، ولا تدل على أن الخنزير كان يربى على نطاق واسع في المجتمع النوبي بأبريم، وعلينا أن نتصور ونتساءل عن يوم كيوم دخول جيش شمس الدولة أبريم، وقتل فيه هذا العدد. كيف أحصيت هذه الأعداد؟ أم أنها كانت في مكان واحد، مما سهل إحصاءها. هذه الحيوانات كانت متفرقة بحكم ملكيتها للنوبة، سكان أبريم، لصعبت عملية إحصاء عدد الخنازير التي قتلها جنود شمس الدولة. وأغلب الظن أن هذه الحيوانات كانت في مكان واحد أو حظيرة واحدة، لذا؛ سهل قتلها وعدها. كما لا يفوتنا بأن قتل هذه الحيوانات جاء لارتباطها بالكنيسة قبل كل شيء. فالخنازير كانت موجودة في مصر آنذاك، ويربيها المزارع المصري، ولم يسجل التاريخ لنا، أن أياً من القادة الإسلاميين مثل شمس الدولة أو غيره، قام بقتل هذه الحيوانات. ولم نسمع بحملة نظمها المسلمون بمصر لإبادة الخنازير في ظل ذلك الزمان. وهذا يؤكد بأن الخنزير لم يجد مكاناً طبيعياً في النظام الاقتصادي للمزارع النوبي، بل ظل مرتبطاً بالمسيحية ورجالها من القساوسة والرهبان في بلاد النوبة. أما عن الإشارة التي أوردها آدمز (Adams 1984: 502). عن وجود بقايا عظام للخنازير، وبصورة مميزة، كدليل على استعمال المزارع النوبي هذا الحيوان، فلا نجد ما يسنده في تقارير الحفريات الأثرية في المنطقة، ولا نعلم كيف اهتدى آدمز (Adams ibid.) إلى هذه المعلومة. كما أن ما ذهب اليه البحث من تفسير لوضع الخنزير، وارتباطه بالمراكز المسيحية وبالكنائس في بلاد النوبة، استنتاج سوف تثبته نتائج الحفريات الأثرية في المستقبل أو تنفيه. فاستنتاج السلوك المنظم أو النظم الاقتصادية من واقع المواد الآثارية المكتشفة أمر صعبا، يستعين فيه الآثاري بالمؤشرات والدلائل التاريخية، لفهما وتقييمها تقييماً متوازناً.


وصف ابن سليم الأسواني، مدينة دنقلا المسيحية أثناء رحلته في جنوب وادي النيل عام 970م (خريطة 1). بالرغم من أنه ذكر مشاهدته لأبقار وإبل في المنطقة، لم يذكر شيئاً عن وجود الخنزير. وفي رأينا كان الخنزير موجوداً، وله انتشار واسع وبأعداد كبيرة عند النوبة المسحيين بدنقلا، لمشاهده الأسواني، وأشار إليه فيما كتب. غير أنه لم يأت بذكره من قريباً أو بعيد.
ومهما يكن من أمر، فإن صح الاستنتاج الذي خلص إليه هذا البحث، فإنه يعني بأننا نتعامل مع مجموعتين؛ المجموعة الأولى يمثلها الرهبان والمبشرون من رجال الكنيسة الذين يستثمرون في تربية الخنزير. والمجموعة الثانية، تشمل المزارع النوبي الذي لا يربي هذا الحيوان. وتختلف المجموعة الأولى عن الثانية في أنها تمثل عرقية مختلفة في ثقافتها واقتصادها وسلطتها. فهذا التباين، ينتج عنه تباين في نسبة مخلفات الطعام في المواقع الأثرية من حيث النوع والكم، مقارنة بين المجموعتين، وما يتركه نشاطهم الاقتصادي الغذائي في المواقع من عظام أنواع الحيوانات الأخرى مثل الأبقار والضأن والماعز. وهنا أمران يحولان اختيار هذا الرأي.


أولاً: إن المواقع المسيحية التي تم التنقيب فيها هي دائما مواقع مرتبطة بالكنيسة، ومع العلم أن علم الآثار يهدف إلى الكشف عن أدلة النشاطات الاقتصادية والتقنية والفنية والاجتماعية والروحية في مخلفات المجتمعات القديمة، إلا أن الوضع مغاير هنا. فمعرفتنا عن المزارع النوبي محدودة؛ لأن المواقع السكنية في النوبة لم تحظ بعشر ما لقيته مواقع الكنائس. وهذا الأمر مرجعه اهتمام واختيار البعثات الأجنبية العاملة في السودان لمواقع الكنائس أكثر من المواقع الأخرى.

ثانياً: ترتب على ذلك، أن أسلوب أو نماذج اختيار الحيوان للذبح والاستهلاك عند المزارع النوبي غير معروف، وذلك لغياب المواد الأثرية المكتشفة اللازمة للدراسة. وبنفس القدر، فإننا لا نعلم شيئاً عن الأسلوب والنموذج المتبع عند رجال الكنيسة. لذا؛ فمن الصعب أن نحكم على بقايا عظام الحيوانات المكتشفة من المواقع الآثارية، بدون الوصول لتصور عام لنموذج اختيار الحيوان للذبح المتبع أنذاك عند كل مجموعة لا سبيل إليه إلا بدراسة عظام الحيوانات المكتشفة من سلسلة المواقع الآثارية.


الرأي الذي يطرحه البحث، ( المزارع النوبي لم يتخذ الخنزير في اقتصاده الإنتاجي، بل كان مرتبطاً بالكنيسة ونشاطها الاقتصادي)، في حاجة لاختباره على أساس دراسة بقايا عظام الحيوانات من المواقع الأثرية التابعة للكنيسة والمزارع النوبي. غير أن المؤشرات والدلائل التي أوردها لنا المؤرخون ترجح ما يشير إليه التفسير والرأي الذي يطرحه البحث. وإذا صح هذا التفسير، فإن العامل الثقافي يكون قد وقف حائلا دون تقدم وانتشار الخنزير في السودان، وبالتالي جنوباً في وادي النيل، بل جعله يتمركز في مراكز الديانة المسيحية في بلاد النوبة. وما يؤيد هذا الرأي، هو أنا وجدنا دليلا على جود الخنزير ضمن عظام الحيوانات المكتشفة في موقع سوبا عاصمة مملكة علوة المسيحية، التي قمنا بدراسة بقايا عظام الحيوانات التي كشفت عنها الحفريات الأثرية، والأمر الثاني الذي يؤيد استنتاجنا هو الرأي الذي توصل إليه آدمز (Adams 1984: 470)، ويقول ؛ بأن المجموعات السكانية المسيحية والوثنية في مملكة علوة كانت مجموعات رعوية. وقد استند هذا الرأي على قلة بقايا المباني السكنية التي وجدت في إطار حدود مملكة علوة المسيحية، وهذا يؤكد ويساند استنتاجنا بأن الخنزير كان في الحقبة المسيحية متمركزاً في المدن التي فيها كنائس ورهبان ومبشرون، وأن هذا الحيوان لا يتأقلم مع النمط الرعوي. كذلك يخبرنا علي عثمان صالح، أستاذ آثار القرون الوسطى بالسودان في ( اتصال شخصي) بالآتي:
هنالك اتفاق عام في المجتمع النوبي التقليدي، بأن الخنزير حيوان مكروه ومنبوذ، وأن الأحاجي التي تتحدث عنه يشوبها نوع من الغموض في ذكره، لذا؛ فالتحدث عنه يكون بالإشارة. ولكن كل ما يورد عنه لا يخرج من إطار انه حيوان منبوذ ومكروه. ويستعمل اسمه في التشبيهات غير الطيبة. ويشار إليه "بالشيء" حتى لا يذكر اسمه. وهذه الصفات التي تعكس الوضع الذي نجد فيه الخنزير لا علاقة له بالأثر الإسلامي في المنطقة أو بتعاليم الإسلام، ولكن لعوامل محلية. فهذا الحيوان غريب عن المجتمع النوبي".


العامل الديني يكمن فيما آلت إليه الأوضاع بنهاية المسيحية في بلاد السودان. وبما أن الخنزير كان حيواناً يمتلكه رجال الكنيسة، فبنهاية وجودهم في النوبة انتهى وجود الخنزير في المنطقة. فبسقوط أبريم ومقتل سبعمائة خنزير، ينتهي وجوده في منطقة أبريم. فقد جاء الإسلام ليحكم وضع الخنزير في بلاد النوبة. كذلك الحال في أواسط السودان وفي سوبا حاضرة أخر الممالك المسيحية في السودان. ومن الواضح أن الأثر الديني أو تعاليم الإسلام لم تجد صعوبة في القضاء على وجود الخنزير في بلاد النوبة وأواسط السودان. فالخنزير، أساساً لم تكن له جذور في الاقتصاد أو في المجتمع، بل كان مرتبطاً بفئة قليلة من القساوسة والرهبان الوافدين إليها.


تضافر العامل البيئي والثقافي والديني للحد من انتشار الخنزير في أنحاء السودان والأجزاء الجنوبية من وادي النيل. ولكن بقى أن ندرك بأن هذا الحيوان، قد ارتبط لحقبة بتاريخ المنطقة، وبالكنيسة ورجالها ارتباطاً وثيقاً، وصار حيواناً وغذاء يخص فئة معينة، دخلت على المجتمع النوبي المسيحي. ولا غرابة إذا كان كذلك الحال بالنسبة للطبقة الحاكمة في الممالك المسيحية إبان القرون الوسطى في السودان، التي يشهد له تنصرها ومحاكاتها للحكام البيزنطيين (cf. Adams 1984).


وبالرغم من أن الخنزير يعد من مدخلات الاقتصاد الزراعي، إلا أنه لم يسهم في اقتصاد النوبة المسيحية من قريب أو من بعيد. فالبيئة المتاحة للاستثمار الزراعي في بلاد النوبة محصورة في الشريط الضيق على ضفتي النيل في بلاد النوبة في السودان. فهذا الحيز البيئي المحدود كان كفيلا بأن يحول دون استيعاب الخنزير في نطاق وحركة الاقتصاد الزراعي ببلاد النوبة.
المناطق التقليدية للخنزير في جنوب وادي النيل

ما من شك في أن دخول الخنزير منطقة النوبة وأواسط السودان في وادي النيل، قد أدى إلى توغله في أجزاء أخرى ومختلفة بيئياً وجغرافياً. وينحصر الخنزير اليوم في السودان في منطقتين تقليديتين، منطقة جبال النوبة بكردفان، وجبال الإنقسنا في الجنوب الشرقي من السودان (خريطة 1). وهاتان المنطقتان تمثلان المنطقة الكلاسيكية لوجود الخنزير في السودان. وأهل جبال النوبة وتلال الإنقسنا بينهما تشابه عام، فهم يسكنون التلال التي تعد امتداداً جغرافياً بين المنطقتين؛ وتعد المنطقتان، من مناطق التداخل اللغوي، بحيث لا يمكن معرفة أصولها اللغوية، أو إلى أي مجموعة لغوية تنتمي إليها (Seligman and Seligman 1932: 413). ولذا فإن أبرز سمات أثر الخنزير في السودان يكمن في التوزيع الجغرافي لوجود الخنزير في هذا البلد. وقد حدث نتيجة لانتشار الإسلام على طول وادي النيل، وأطرافه ليشمل بلاد النوبة، وحدود مملكة علوة شرقاً وغرباً. فقد حصر الإسلام هذا الحيوان في هاتين المنطقتين الجغرافيتين في جبال النوبة وتلال الإنقسنا. ولفهم أسباب التوزيع الجغرافي في هاتين المنطقتين علينا أن نعود لحقبة دخول الخنزير لبلاد النوبة في أول عهد المسيحية بالسودان.



جبال النوبة
رأينا كيف أن الخنزير قد دخل شمال السودان في النوبة نتيجة لاستقرار مجموعات من القساوسة والرهبان في بلاد النوبة لتدريس تعاليم المسيحية ونشرها، وأن الخنزير قد خدم مجتمع هذه الشريحة في كل المراكز المسيحية على طول وادي النيل وأواسط السودان. ورأينا أن الخنزير ظل غريباً عن الاقتصاد الزراعي للنوبة، نظراً لتكلفته العالية، مما ترتب عليه عدم استيعابه في نظم تربية الحيوان المعتمدة على الإمكانيات البيئية المحلية المتبعة في بلاد النوبة. وبناء على ذلك فلابد من أن تكون هناك مجموعة أو شريحة في المجتمع النوبي، قد عاونت مجتمع القساوسة في تربية الخنزير ورعايته. وبالإطلاع على تاريخ الكنيسة نجد أن هنالك شريحة أو مجموعة أفراد من المجتمع تكون فقيرة أو مستضعفة، تسعى لترتبط بالكنيسة وبنشاطها لتجد في الكنيسة معينا لها على صعاب الحياة وشظف العيش. ونجد أن كثيراً من الأفراد يحتمون بالكنيسة. وأغلب الظن أن مجموعة مثل هذه كانت موجودة في المجتمع النوبي المسيحي، وقامت بخدمة الكنيسة. وكانت تربية الخنزير ورعايته تمثل أحد أنشطة خدمتها للكنيسة. وعندما بدأت تأفل شمس المسيحية في بلاد النوبة، الذي حدث تدريجياً، انسحبت جنوباً مجموعات من الأفراد الذين خدموا الكنيسة وفي صحبتها الخنزير الذي ألت ملكيته لها. وفي رأينا أن واقعة مدينة أبريم في عام 1173م، وإعدام سبعمائة خنزير، كانت بمثابة نقطة التحول وناقوس الخطر الذي عجل بانسحاب المجموعات النوبية الخادمة للكنيسة جنوباً وفي صحبتها الخنزير. ويرجح أن هذه المجموعات انسحبت، بأمر ومباركة أهل الكنيسة من القساوسة والرهبان، لتبتعد عن المد الإسلامي، الذي كان القساوسة يخشون تأثيره على الفئة التي خدمت الكنيسة وأخلصت في نصرانيتها. وبنفس القدر يعني انسحاب هذه المجموعات جنوباً محافظة هذه المجموعات على الثروة التي تمثل حصيلتهم، وثمرة جهدهم وعملهم بالمراكز المسيحية، ولذا؛ لم يفرطوا فيها بالبقاء والانتظار خوفاً على ثروتهم. كما أن مباركة القساوسة لمثل هذا الانسحاب جنوباً لهذه المجموعات من نصارى النوبة، يعني نشر الدين المسيحي في أعماق القارة الإفريقية.

من البديهي أن يكون الاتجاه الطبيعي الذي تسلكه مجموعات صغيرة كهذه، هاربة من بلاد النوبة، هو متابعة الوديان والخيران للنزوح جنوباً نحو كردفان. وهذا أمر منطقي، فيه تفاد وابتعاد عن مواطن ومسارات مجموعات أخرى تسكن ضفاف النيل أو السهول، ويحتمل أنها قد تعترض مسيرة هذه المجموعات الضعيفة. ومن ناحية أخرى، فإن الوديان والخيران التي تنحدر جنوباً مثل وادي الملك، إلى كردفان (خريطة 1)، تقدم للمجموعة النازحة ظروفاً أسهل للحياة وأيسر من أي طرق أو مسارات أخر. ولا يستبعد بأنه كانت هنالك أكثر من مجموعة صغيرة خرجت وانسحبت جنوباً، في مثل هذه الرحلة الخطرة، بعدما ضعفت وتخلخلت دعائم المسيحية في بلاد النوبة على وادي النيل.

ويرجح بأن المجموعة أو المجموعات التي سلكت طريق وادي الملك جنوباً، دخلت جبال النوبة في كردفان، واتخذت من هذه البيئة الجبلية ملاذاً لها مسكناً. وما يبرر هذا الرأي هو أن هذه المجموعة مستضعفة، وفقيرة وهاربة خوفاً من المد الإسلامي الذي قد يلاحقها، وأكبر خوفها على الخنزير الذي تملكه؛ لأنه يعد رمزاً من رموز المسيحية. كما أنها لا تملك قوة أو عتاداً أو ثروة للدخول في نزاع أو تصادم مع أي من القبائل المستقرة في هذا الإقليم أو غيره. ولا شك في أن سهول كردفان تجول فيها مجموعات رعوية وبدوية، لا تتوانى في أن تهجم على أي مجموعة صغيرة كهذه سلباً واسترقاقا. فقد ظل السلب، أسلوباً بين المجتمعات الرعوية التي تعتمد على الترحال الدائم. ومن ناحية أخرى، فإن بيئة تلال جبال النوبة في كردفان تمثل ظروفاً أفضل لتربية الخنزير مقارنة مع سهول كردفان. فكما هو معلوم، لا يمكن لحيوان له متطلبات بيئية مثل الخنزير أن يعيش معتمداً على مصادر السهول الطبيعية، التي تصلح عادة لحيوانات مثل الأيل والأبقار والضأن والماعز. وعليه فإن وقوع الاختيار على اتخاذ الجبال في هذا الإقليم مستقرأ، أمر تمليه أيضاً متطلبات الخنزير البيئية.

استقرت هذه المجموعة من النوبة المسيحيين في تلال بمنطقة كردفان، والتي تعرف بجبال النوبة حالياً. ويبقى القول، بأننا لا نعرف إلى اليوم، سبباً لتسمية هذه الجبال في إقليم كردفان باسم جبال النوبة، أو تسمية قاطنيها باسم النوبة. وتظل تسميتهم أمر غامضاً ولا تفسير له في المصادر التاريخية التي تعرضت لتلك الحقبة من تاريخ أواسط وادي النيل، أو المنطقة الجغرافية في إقليم كردفان. وانطلاقاً من هذا الواقع، لا يستبعد أن تكون تسمية الجبال وسكانها بهذا الاسم، الذي نتج من استقرار هذه المجموعة النوبية المسيحية في تلك الجبال والتلال. وما يرجح ما ذهبنا إليه، هو الاعتقاد الراسخ بين سكان جبال النوبة اليوم، بأن أن أسلافهم قد جاعوا من التلال التي يسكنونها في جبال النوبة بإقليم كردفان. فقد ورد عنهم بأن أسلافهم أرينجوك وزوجته كمارا وفي صحبتهم الخنزير، قد خرجوا من صخرة تعرف باسم "الدن"، في جبل كورما، بجبال النوبة (Seligman and Seligman 1932: 413). إذن فالخنزير جاء مع أسلافهم إلى جبال النوبة. ولو كان هذا التفسير الظني لاسم النوبة ووجود الخنزير في إقليم كردفان مقبولاً فإنه يمكن أن نخلص لأمرين.

أولاً: ضعفت المسيحية عند هذه المجموعة؛ لانقطاعها عن أي مركز من المراكز المسيحية أو أي كنيسة. ومع مرور الوقت على المجموعة المسيحية التي استقرت في هذا الإقليم، ضاعت تعاليم المسيحية التي كانت تكتب وتقرأ باللاتينية أو القبطية في المراكز المسيحية في وادي النيل الجنوبي، خاصة وأنه يعتقد بأنه ليس في هذه المجموعة من يقرأ أي من اللغتين. وبمضي الزمن، حلت الوثنية تدريجياً محل المسيحية.

ثانياً: يخبرنا تاريخ الهجرات البشرية بأن ذاكرة الجماعة كثيراً ما تسقط أو لا تنجح في تخزين وحفظ المعلومات كاملة عن أصل المجموعة وهجرتها الأولى. ولذلك ؛ لا يستبعد أن يكون النوبة قد نسوا جيلاً بعد جيل أصلهم وقصة نزوحهم من بلاد النوبة إلى جبال كردفان. ونجد كذلك أن المجتمعات التقليدية درجت على أن تكون لها أسطورة تحمل تفاصيل وتفسير أصلها ونشأتها الأولى.

بقي أن نعرف بأن أسماء المجموعات عادة ما يطلقها غير أهلها وأصحابها. فاسم «النوبة» الذي أطلق على المجموعات القبلية وعلى جبال كردفان، لا بد وأن يكون قد أطلقته مجموعة أخرى أو مجموعات أخرى على تلك المجموعة المسيحية النازحة، والجبال التي سكنوها. وهكذا ما بقى اليوم من الهجرة الأولى للنوبة المسيحيين إلى تلال كردفان الاسم الذي عرفت به الجبال، وأسطورة أصل أهل جبال النوبة، والخنزير في حياتهم واقتصادهم.
تلال الإنقسنا

تعد منطقة جبال (الإنقسنا) المنطقة التقليدية الثانية لتربية الخنزير في السودان (خريطة 1). ولفحص خصائص وملابسات الخنزير في جبال الإنقسنا، علينا بأخذ أقرب المراكز المسيحية لهذه المنطقة من الناحية الجغرافية التي تعاصرها. وهنا نجد أن (سوبا)، عاصمة مملكة علوة المسيحية التي تقع على ضفاف النيل الأزرق بالقرب من مدينة الخرطوم، أهلا لهذا التعاطي والطرح. وكما ورد سابقاً، فإن عمليات التنقيب الأثري في موقع مدينة (سوبا)، قد كشفت عن عدد ضئيل من بقايا عظام للخنزير مقارنة مع عظام حيوانات أخرى مثل الضأن والأبقار. وما وصل من أخبار عن سوبا شحيح، ولا يكمل الصورة الكاملة للأوضاع فيها إبان مجدها وازدهارها، ثم خرابها ودمارها. فما نعرفه عنها، أنها كانت مدينة مزدهرة، وبها كنائس وحدائق وعمران، وبأن جزءاً منها كان يسكنه مسلمون (Adams 1984: 432). كما يرجح بأن (سوبا) كانت مركزاً لتجارة الرق والعاج بحكم موقعها الجغرافي وارتباطاتها التجارية، واتصالاتها مع المراكز المسيحية المتواجدة شمالا في وادي النيل (Adams 1984: 471).

اتفق المؤرخون على أن سقوط مدينة سوبا التي كانت آخر مركز للمسيحية في السودان، قد تم بصورة درامية، اتسمت بالعنف والخراب على غير الأسلوب والنهج الذي انتهت به المسيحية في شمال السودان، حيث انتهت هناك تدريجياً ودون ضغوط خارجية (Adams 1984: 544). غير أن المؤرخين قد اختلفوا في تسمية الجهة التي قامت بإسقاط وخراب مدينة سوبا. ففريق منهم يستند على وثائق تاريخ الفونج، ويرجح أن سقوط سوبا قد تم بزعامة عمارة دنقس ملك الفونج وعبد الله جماع من قبيلة القواسمة العرب. بينما فريق أخر يرشح عبد الله جماع والقبائل العربية التي جمعها حوله في تحالف لإسقاط مدينة سوبا (539-Adams 1984:538).

لابد أن وضع الخنزير في مدينة سوبا كان مشابهاً لوضعه في بقية المراكز المسيحية المتواجدة في وادي النيل شمالا. وعليه، يرجح بأنه كان مرتبطاً باقتصاد الكنيسة ورجالها كجزء من النشاط الاقتصادي للكنيسة. كما كان يقوم بخدمة الخنزير ورعايته، مجموعة من الذين تنصروا والتحقوا بالكنيسة حماية لهم ومصدراً لرزقهم. ولمعرفة الأسباب والظروف التي أدت إلى وصول الخنزير إلى جبال الإنقسنا، يتوجب الأخذ بالآراء المختلفة التي طرحها المؤرخون في مسألة سقوط سوبا. فالتفسير الذي يطرحه البحث يأخذ بهذه الآراء، ويقدم احتمالين يفسر يهما وجود الخنزير وتربيته في المنطقة التقليدية الثانية، أي جبال الإنقسنا.

يرجح الاحتمال الأول بأن سوبا قد سقطت على أيدي تحالف القبائل العربية بقيادة عبد الله جماع. وإذا كان هذا الرأي صائباً، فالأمر يعني بأن سقوط مدينة سوبا لم يحدث بين ليلة وضحاها، فلابد من أن سقوط سوبا قد سبقه العديد من المناوشات التي كان يقوم بها البدو العرب والمجموعات الرعوية ضد مصالح وسلطات المملكة المسيحية في علوة. كما أن الوضع المتدهور، الذي نتج من التصادمات بين سلطات مملكة علوة والمجموعات الرعوية، قد خلق جواً من انعدام الطمأنينة والاستقرار على المدينة وسكانها. وانطلاقاً من هذا الوضع وظروفه المؤثرة على أمن سوبا ومصالحها، قامت تلك المجموعة الصغيرة بمساعدة الكنيسة ومباركتها بعبور النيل الأزرق والتوجه جنوباً بعيداً عن الخطر القادم. وأغلب الظن أن تلك المجموعات الصغيرة قد تسللت متجهة إلى أماكن أكثر أمناً. كما لا يستبعد أن تكون هناك مجموعات من الهمج في مدينة سوبا، وهم من كانوا ضمن رعايا مملكة علوة (539- Adams 1984: 538). وهذه المجموعة من الهمج بدورها قد نزحت جنوباً وبصحبتها الخنزير، أسوة بمجموعات أخرى مستضعفة. تمركز جزء من المجموعة في منطقة سنار على النيل الأزرق (خريطة 1)، والتي تعد تحت سيطرة الهمج حيث كانت هناك غابات وبيئة تسمح بتربية الخنزير والاحتفاظ به (Moorehead 1962: 174). ومن ناحية أخرى، نجد مجموعة أخرى تسللت جنوباً لمنطقة الإنقسنا لتجد فيها المأوى المناسب والحماية من حملات صيد الرق والقبائل التي تجوب المنطقة. ومما عزز استقرار هذه المجموعة في منطقة جبال الإنقسنا ما تهيئه من ظروف بيئية مفضلة لتربية الخنزير، وما تحتويه من مصادر للغذاء، حيث الأشجار الكثيفة والبيئة الجبلية الغنية. وهذا ما يفسر وجود الخنزير وتربيته في جبال الإنقسنا، كمنطقة تقليدية في السودان لتواجد هذا الحيوان.

واحتمال آخر يقول إن سقوط سوبا كان على أيدي الفونج بقيادة الملك عمارة دنقس. فقد ذكرت إشارات تاريخية عن اقتحام الفونج لمدينة سوبا وعن عظمتها وغناها وما اتسمت به من ثراء وازدهار -(539 Adams 1984: 538). كما ذكر عن الملك عمارة دنقس، بأنه كان يدعم حكم السلاطين السود في سنار. وإذا كان الوضع كما وصف، فإن عمارة دنقس قد عاد إلى سنار، بعد دخول سوبا بغنائم طائلة كان بعض هذه الغنائم أسرى وأرقاء من المجموعة المستضعفة التي آلت له كاسري وفي صحبتها الخنزير. ولا بد أنه عاد إلى عاصمته سنار بهذه الغنائم لتعرض ضمن ما فازت به غزوته لعاصمة أخر مملكة مسيحية في السودان. وربما هذا يفسر وجود الخنزير في منطقة سنار، وتسلل بعض هذه من هذه المجموعات من سنار إلى منطقة جبال الإنقسنا. فما يرمى إليه هنا، هو أن الخنزير الموجود في جبال الإنقسنا اليوم، جاءت سلالته من سوبا، عاصمة مملكة علوة المسيحية، بعد أن سقطت على أيدي الفونج. وما يرجح هذا الرأي، هو ممارسات وعبادات أهل جبال الإنقسنا التي أوردها الباحث سيلقمان (Seligman and Seligman 1932: 437). ونقدم هنا ترجمة قمنا بها، لما أورده في هذا الموضوع.


"في أقصى الجزء الغربي من بلاد الإنقسنا، وفي جبال كوكور يوجد حجر يسمى سوبا، وكذلك يسمى حجر الشمس. وهو حجر طوله 10 بوصات، ومستدير ولونه داكن من كثرة الدهن الذي يمسح به. والاعتقاد السائد في هذه البلاد يقول إن هذا الحجر هو ابن لحجر أكبر موجود في ظل شجرة. وهذا الحجر الكبير ظهر مع أول رجل "قيبر"، وأول امرأة "أوتينر"، ومنهما انحدر بقية الناس. وهذا الحجر الكبير هو الأخر اسمه "سوبا" وفي بعض الأحيان "دوتي". وعلى الحجر الكبير "سوبا" توجد عظام الحيوانات التي تقدم قرابين في الاحتفالات".

تؤشر ممارسات ومعتقدات مجتمع جبال الإنقسنا إلى نقاط ترجح ما ذهب إليه البحث في أصل وسلالة وتاريخ الخنزير الموجود اليوم في المنطقة الثانية التقليدية لتربيته. وعليه، يمكن أن نخلص إلى الآتي:


أولاً: يلاحظ أن حجر "سوبا" يعتقد بأنه ظهر على الأرض مع أول رجل وامرأة هما أسلاف مجتمع الإنقسنا. فظهور الأسلاف وحجر "سوبا" في وقت واحد يعد مؤشراً في رأينا لموطن مجتمع الإنقسنا الوافد لهذه المنطقة الجبلية. كذلك يلاحظ التشابه بين الاعتقاد في أصل موطن مجتمع جبال الإنقسنا وجبال النوبة. فالنوبة وكما ذكرنا سابقاً، يعتقدون أن أسلافهم قد خرجوا من صخرة تسمى "الدن" وفي صحبتهم الخنازير. وعموم المجتمعات التقليدية تحتفظ بتفسير أسطوري لأصولها وأسلافها. ومكونات هذه القصص أو التفسيرات الأسطورية لأصول هذه المجتمعات Mystical Explanation of origin، عادة ما يكون مصدرها ذاكرة الجماعة، والقيم الاجتماعية والبيئة الإحيائية وغير الإحيائية للمجتمع. كما أن هذه القصص الأسطورية في نهاية الأمر، ما هي إلا تفسير شعبي popular explanation، يتبلور في المجتمعات دون وعي أو قصد، وخاصة في غياب وسائل لتخزين المعلومات مثل الكتابة.

ثانياً: يلاحظ كذلك أن اسم "سوبا" قد أطلق على الكثير من الأماكن في المنطقة. فهناك مكان اسمه "سوبا" في المزموم، ويطلق الاسم كذلك على موقعين بالقرب من الرصيرص (خريطة 1). كذلك يلاحظ اسم "سودا" في منطقة جبال الإنقسنا. ومنطقة الرصيرص من ناحية أخرى يعرف عنها بأنها مكان تجمع للهمج الذين كانوا في يوم من الأيام تابعين لمملكة علوة. والهمج لهم بعض الطقوس التي تحمل الكثير من الممارسات والطابع المسيحي. فعلى سبيل المثال رسم الصليب على جبهة الطفل، وتقليد المريض لقلادة عليها الصليب. كذلك نجد أن الهمج يتداولون قسماً شهيراً بينهم، فقد كانوا يتداولون القسم الآتي حتى الثلاثينات من القرن الماضي ( 256:1930 Chataway) .

"أحلف بسويا دار الجد والحبوبة؛ البيطفح الحجر وتغتس القرعوبه"
يدل هذا القسم المتداول بين الهمج بأن سوبا هي دار الجد والجدة، أي، أن أصولهم من سوبا. وهذا ما ذهب إليه البحث في أن الخنزير المتواجد في المنطقة التقليدية الثانية في السودان، ينحدر من الخنازير التي كانت تربى في مدينة سوبا عاصمة مملكة علوة المسيحية، ووصل إليها في ركب الرهبان والقساوسة القادمين من مصر لنشر تعاليم المسيحية.

أدى انتشار الإسلام في السودان إلى حصر الخنزير وحبسه في منطقتين منعزلتين في كل من جبال النوبة الإنقسنا، ليكون بذلك توزيعا جغرافيا جديداً للخنزير في السودان. كما أن هذا التوزيع الجغرافي قد ظل قائماً حتى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، حينما دخلت السودان أفواج الحملات التبشيرية والجاليات الأجنبية مرة أخرى في ركب الاستعمار البريطاني. وبدءاً من هذا التاريخ، والتحول السياسي في السودان، ظهرت عدة جيوب لتربية الخنزير في أنحاء البلاد.

نتج من انحصار الخنزير في منطقتين تقليديتين وانعزاله في هذا الجزء من وادي النيل أن تبلور الوضع الاقتصادي للخنزير حجماً ودوراً، مقارنة مع حيوانات أخرى مثل الأبقار والماعز والضأن. فقد أثبتت التجربة العملية لأهل جبال النوبة والإنقسنا بأن الخنزير غير مثمر في اقتصادهم الزراعي. فبالنظر إلى وقع الاقتصاد والتغيرات الاجتماعية المعاصرة في كل من المنطقتين، يمكن القول بأن مستقبل الاستثمار في تربية هذا الحيوان، قد أصبح في تراجع متزايد ومستمر. والسبب في هذا الوضع الاقتصادي المتردي، يعود إلى أن الخنزير لا سوق له، ولا طلب عليه له خارج النظام الاقتصادي للمجموعة. بمعنى أنه لا يمكن تسويقه في الأسواق الأخرى، وهي أسواق أصحابها مجموعات تدين بالإسلام وتحرم أكل لحم الخنزير. أما الحيوانات الأخرى، فلها طلب وأسواق على مساحات جغرافية واسعة تحيط بجبال النوبة والإنقسنا. وفي ضوء هذا الواقع الاقتصادي ومعطيات الأسواق الاستهلاكية، يتضح أن الخنزير في هاتين المنطقتين آيل للانقراض. وللتأكيد من هذا الاستنتاج، فقد وجه سؤال عن وضع الخنزير ومستقبله، لعدد من أبناء منطقة جبال النوبة والإنقسنا خلال عام 1992- 1994م. فكان الرد وبإجماع بأن الخنازير الموجودة في بلادنا، هي ملك في الأساس لرجال مسنين ونساء مسنات. كما أن الأجيال الجديدة لا اهتمام ولا معرفة لها برعاية الخنزير وتربيته. ويمكن القول بأن زوال الخنزير ونهايته في هاتين المنطقتين، لم يتسبب فيه الإسلام مباشرة، بل التغيرات الاقتصادية، وأسواق العرض والطلب الاستهلاكية في عموم السودان، وخاصة إقليم كردفان ومنطقة النيل الأزرق.



الخاتمة:
يمكن إيجاز ما توصل إليه البحث في موضوع تاريخ الخنزير وانتشاره في وادي النيل في الآتي:

دخل الخنزير المستأنس Sus domesticusمصر إبان العصر الحجري من منطقة الهلال الخصيب. هذا وقد انتشر الخنزير بعد ذلك في شمال القارة الإفريقية، غير أن الظروف البيئية حالت دون انتشاره في أفريقيا جنوباً من الصحراء الكبرى. إلا أن وادي النيل كمجري للماء والأرزاق، والاتصالات البشرية، والتجارة، والمعتقدات الروحية، سهل توغل هذا الحيوان جنوباً على طوال مجرى النيل ووادية في بلاد النوبة، وأجزاء من السودان.

ثانياً: عمل ركب المبشرين والقساوسة في القرن السادس الميلادي، على إدخال الخنزير إلى بلاد النوبة المسيحية. ارتبط الخنزير في بلاد النوبة المسيحية بالكنيسة ومجتمعها من قساوسة ورهبان، وربما الطبقة الحاكمة في الممالك المسيحية، ومجموعات من الذين عملوا في خدمة الكنيسة.

ثالثاً: حال العامل الثقافي والاقتصادي دون انتشار الخنزير في مجتمع النوبة المسيحي الذي لم يستثمره. فقد عزف عن الاستثمار فيه، نظرا للتكلفة العالية في تربيته.

رابعاً: حصر المد الإسلامي في وادي النيل الجنوبي بالسودان الخنزير بعيداً عن وادي النيل، وعزله في منطقتين في جبال النوبة وجبال الإنقسنا. وتعد هاتان المنطقتان تقليديتان في تربية الخنزير، ونتاج لإعادة التوزيع الجغرافي لهذا الحيوان في بقاع السودان.

خامساً: توصل البحث إلى تفسير يعلل وجود وأصل الخنزير المتواجد حالياً في كل من جبال النوبة في إقليم كردفان، وجبال الإنقسنا في منطقة النيل الأزرق، معتمداً على الإشارات التاريخية ونتائج الدراسات المعاصرة.

سادساً: ما يرجح صحة ما تم التوصل إليه في المنطقتين التقليديتين لتربية الخنزير في السودان هو ما تشترك فيه المنطقتين التي من مناطق التداخل اللغوي، بحيث لا يمكن معرفة أصولها اللغوية، أو إلى أي مجموعة لغوية تنتمي إليها، وهو أمر يصعب ترجيح عامل الصدفة فيه.

تاريخ الخنزير وانتشاره وادي النيل

الشكل 1: الخنزير الإفريقي البري warthog

تاريخ الخنزير وانتشاره وادي النيل

الشكل 2: الخنزير المستأنس
تاريخ الخنزير وانتشاره وادي النيل
تاريخ الخنزير وانتشاره وادي النيل

خريطة 1: انتشار الخنزير في السودان


المراجع العربية

علي عثمان صالح (اتصال شخصي) قسم الآثار، كلية الآداب، جامعة الخرطوم. السودان.
Reference
  • Adams, W. Y. 1984 Nubia corridor to Africa.
Allen Lane
Princeton University Press.
  • Budge, W. 1911 Siris and the Egyptian Resurrection
  • London - Philip Lee Warner
  • Budge, W. 1928 A History of Ethiopia. Nubia and Abyssinia Methuen and Co. LTD.
London.
  • Caton-Thomspon and Gardener, H. 1935 The Desert of Fayum London.
  • Chataway, J.D.P. 1930 Notes on the History pf the Fung.
Sudan Notes and Records Vol. XIII, pp. 247258-
  • Clutton-Brock, J. 1981 Domesticated Animals from Early Times. Heinemattn
British Museum (Natural History).
  • ElMahi, A.T. 1988 Zooarchaeology in the Nile Valley Cambridge Monographs in African Archaeology 27 BAR International series 418
Oxford.
  • ElMahi, A.T. 1996 The absence of the domestic pig from Meroe:
Accidental or deliberate Beitrage zur Sudanforschung, vol. 6,
Wein - Molding Austria.
  • ElMahi, A.T. 1991 Pigs and Politics in Medieval Sudan.
The origin of Sennar pig.
Dirasat Ifrigyya, vol. 8, pp. 1933- Khartoum.
Epstein, H. Bichard, M. 1984 Pig in Evolution of Domesticatedanimals.
(ed.) Ian L. Mason Longman, London and New York
  • Flinders, P. 1924 Religious Life in Ancient Egypt Constable and Company LTD
London.
  • Gibbon, E. The Decline and fall of the Roman
Empire (177688-) cf.3; Voltaire 326:7. ch.3
  • Harrison, J.E. 1903 Prolegomena to the Study of Greek Religion
Cambridge, University Press.
  • Hunting Technical Service 1974 Animal ecology and Range Ecology
Vol.3 February
  • Leonard, J. 1973 The First Framers Time-Life Books
Netherlands B.V
  • Moorehead, A. 1962 The Blue Nile A Four Square Book
United Kingdom
  • Seligman, C. G. and Seligman, B. 1932 Pagan Tribes of the Nilotic Sudan
  • George Routledge and Son LtD.
London






التعديل الأخير تم بواسطة ميراد ; 05-05-2020 الساعة 01:57 AM
رد مع اقتباس